إنه السؤال الذي يخطر ببال الجميع: إذا كانت الحكومة هي التي تملك مطبعة النقود، فلماذا نعاني من الفقر أو الديون؟ لماذا لا تطبع المليارات وتوزعها على الشعب، أو تسدد بها ديونها، ونعيش جميعاً في سعادة؟
الحل يبدو سهلاً جداً، أليس كذلك؟
للأسف، التاريخ يخبرنا أن هذا "الحل السهل" هو أقصر طريق نحو كارثة اقتصادية شاملة تسمى: ." (Hyperinflation)" التضخم المفرط
"الدرس الأول: النقود ليست ثروة، هي " تذاكر
تخيل أننا في حفل غنائي يتسع لـ 1000 شخص فقط، وهناك 1000 تذكرة. كل تذكرة تضمن لك مقعداً. ماذا يحدث لو قامت إدارة الحفل بطباعة 10,000 تذكرة إضافية ووزعتها مجاناً على الناس بالخارج؟
هل زاد عدد المقاعد في القاعة؟ لا. النتيجة ستكون فوضى عارمة أمام الأبواب. ستصبح قيمة التذكرة "صفراً" لأن الجميع يملكها، لكن لا توجد مقاعد كافية.
الاقتصاد يعمل بنفس الطريقة.
.المقاعد: هي السلع والخدمات الحقيقية التي تنتجها الدولة (طعام، سيارات، منازل)
.التذاكر: هي النقود الورقية في جيوبنا
عندما تطبع الحكومة نقوداً دون أن يقابلها زيادة في إنتاج "السلع الحقيقية"، يصبح لديك أموال كثيرة جداً تطارد سلعاً قليلة جداً. النتيجة الحتمية : الأسعار ترتفع بجنون.
عندما يصبح المال ورق حائط! (قصص من الواقع)
التضخم المفرط ليس مجرد ارتفاع بسيط في الأسعار، بل هو خروج الأسعار عن السيطرة تماماً، لدرجة أن الأسعار قد تتضاعف كل يوم!
حدث هذا في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، وفي زيمبابوي وفنزويلا في عصرنا الحديث. إليك كيف يبدو المشهد
الملياردير الجائع: الناس يمشون في الشوارع حاملين "عربات يد" مليئة برزم النقود (ملايين أو مليارات) فقط لشراء رغيف خبز واحد.
السرعة هي الحل: بمجرد استلام راتبك، يجب أن تركض لتشتري أي شيء (طعام، صابون) لأن قيمة الراتب ستنخفض إلى النصف بحلول المساء.
نقود للتدفئة: في ألمانيا قديماً، أصبح الناس يحرقون رزم النقود في المواقد للتدفئة، لأن حرقها أرخص من استخدامها لشراء الحطب!
انهيار "الثقة"
كما تعلمنا في مقال سابق، المال الورقي قيمته تأتي من "الثقة". عندما تبدأ الحكومة بطباعة المال بلا حساب، تنهار هذه الثقة. يدرك الناس أن الورقة التي في جيوبهم مجرد حبر وورق لا قيمة له، فيحاولون التخلص منها بأسرع وقت، مما يزيد الطين بلة.
الخلاصة
الثروة الحقيقية لأي بلد ليست في كمية الأوراق النقدية التي يطبعها، بل في كمية المصانع، المزارع، والعقول المنتجة التي يمتلكها. طباعة المال دون إنتاج هي مثل محاولة علاج السمنة بتوسيع مقاس الملابس؛ أنت تخدع نفسك، والمشكلة الحقيقية تتفاقم.
Add comment
Comments